السيد كمال الحيدري
48
مدخل إلى النظام المعرفي لآلية فهم القرآن
على استجلاء المعاني الباطنيّة إلّا بالقدر المُتاح ، والّذي يُمكن التعبير عنه وإيصاله ، بمعنى : أنّنا لا نجد أنفسنا مُكلَّفين بالكشف عن خزائنيّة كلّ آية من آيات القرآن ، فذلك أمر على فرض حصوله من غير الوليّ المعصوم فإنّه لا يُمكن ادّعاؤه بأيِّ شكل من الأشكال لغياب الأدوات الإثباتيّة تماماً ، وأمّا مسألة العلم والأعلميّة والوثاقة وما شابه ذلك فإنّها لا تصلح أن تكون أدوات إثباتيّة البتّة ، بل إنّها تقتضي عدم ادّعاء ذلك ؛ وأمّا من كانت له صلة بالوليِّ الأعظم ، وهو أمر غير مُستبعد من العلماء الصالحين ، فإنّه هو الآخر لا يمنح الواقف على المعاني الباطنيّة التأويليّة نسبتها إليه ( ع ) ، فضلًا عن نسبتها لنفسه ؛ ولذلك عُدَّ الكثير من الادِّعاءات في هذا المجال مجرّد شطحات تكشف عن خلل في سلوك صاحبها ، أو عن عدم رعاية لرسوم المقام ، والّتي نادراً ما تصدر من الُمحقِّقين « 1 » . إذن ، فمن جهةٍ نجد أنفسنا نقف إزاء مستويات ثلاثة لأرضيّة التأويل ، والّتي أُطلق عليها قرآنيّاً بالخزائن ، وهي مستويات عسيرة التحصيل ، ومن جهة أُخرى نجد أنَّنا إزاء حقيقة أُخرى لا بدَّ من الإقرار مسبقاً بأنّها لا تصلح أن تكون وسيلة إثباتيّة للآخرين ، وهو نفس الحضور والتجلِّي ، فإذا ما سلّمنا بأنَّ المستويات الخزائنيّة ، أو الأهمّ منها ، مقترنة بالتحقُّق والكشف والحضور لا بالتحقيق والبرهان والحصول ، فإنَّ النتيجة سوف تكون معلومة سلفاً ؛ ولكن مع ذلك فإنَّ هنالك عدّة أُمور أو حقائق تُساعد كثيراً في سبر غور الكثير من مخابئ آي القرآن ؛ منها :
--> ( 1 ) رسائل ابن عربي ، للشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي الطائي ، وضع حواشيه محمّد عبد الكريم النمري ، دار الكتب العلمية ، 1421 ه - ، بيروت : ص 408 .